" الهجرة غير الشرعية.. حلم الشباب الذي يتحول إلى كابوس "

 
كتب :  مازن أشرف

الهجرة غير الشرعية لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبحت قضية إنسانية واجتماعية واقتصادية وأمنية تهدد مستقبل الشباب المصري والعربي.

بين الحلم بحياة كريمة في الخارج، والخوف من الموت غرقًا في البحر، يقف آلاف الشباب حائرين بين الأمل واليأس، وبين مطرقة الفقر وسندان المجهول.

تبدأ القصة دائمًا بنفس الحلم: شاب فقد الأمل في العثور على عمل داخل بلده، فيبدأ يبحث عن أي طريق إلى أوروبا.

يبيع ما يملك، أو يقترض، أو يجمع المال من أسرته، ثم يسلم نفسه لتجار البشر الذين يوهمونه بأن أوروبا هي الجنة الموعودة.

لكن الحقيقة تكون مأساوية، فكثير منهم لا يصلون إلى الشاطئ الآخر ، تبتلعهم أمواج البحر في صمت، وتتحول أحلامهم إلى ذكريات مؤلمة.


يقول أحد الناجين من رحلة هجرة فاشلة:
"كنا حوالي سبعين شابًا في مركب صغير. الموج كان عالي، والبحر هائج. بعد ساعات بدأ المركب يغرق، واللي نجا نجا بالصدفة."

أضرار الهجرة غير الشرعية لا تقتصر على من يفقد حياته فقط، بل تمتد لتصيب أسرًا بأكملها.

الأمهات يفقدن أبناءهن، والأطفال يُيَتَّمون، والمجتمعات تفقد طاقات شبابية كان يمكن أن تسهم في التنمية والبناء.

اجتماعيًا: تُفكك الأسر ويعمّ الحزن في القرى التي فقدت شبابها.

اقتصاديًا: تخسر الدولة شبابًا في عمر العمل والإنتاج.

نفسيًا: يعيش الناجون من التجربة صدمة نفسية لا تزول بسهولة.

أمنيًا: تتورط شبكات إجرامية في تنظيم الرحلات غير المشروعة، ما يفتح الباب أمام الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر.


القانون المصري كان واضحًا في موقفه من هذه الظاهرة ، فقد صدر القانون رقم 82 لسنة 2016 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين، والذي نص على معاقبة كل من ينظم أو يسهل أو يشارك في عمليات تهريب المهاجرين بالسجن المشدد والغرامة.

أما المهاجر نفسه، فلا يُعامل كمجرم بل كـ"ضحية"، حيث تُقدم له الرعاية والحماية.
ويؤكد القانون أن مكافحة الهجرة غير الشرعية لا تعني فقط العقاب، بل الوقاية والتوعية والتأهيل، من خلال حملات تثقيفية وبرامج تنمية للشباب في المناطق الأكثر تصديرًا للهجرة.

في الشارع المصري، تختلف الآراء ، فمن الناس من يرى أن الظروف الاقتصادية هي الدافع الحقيقي وراء هروب الشباب إلى الخارج، بينما يرى آخرون أن الهجرة غير الشرعية ليست حلاً، بل تهورًا.


تقول السيدة "أم محمود" من محافظة البحيرة:
"ابني كان نفسه يسافر عشان يساعدنا. سافر في مركب من ليبيا، ومن ساعتها ما عرفناش عنه حاجة... البحر رجع لنا الحزن بس."

وفي المقابل، يقول أحد الشباب في مدينة الإسكندرية:
"إحنا مش بنهرب من بلدنا، إحنا بنهرب من البطالة. لو لقيت فرصة كويسة هنا، عمري ما كنت أفكر أهاجر."

تناول الرئيس عبد الفتاح السيسي قضية الهجرة غير الشرعية في أكثر من مناسبة، مؤكدًا أن الدولة تبذل جهدًا كبيرًا لمعالجة جذور المشكلة وليس نتائجها فقط.

وقال الرئيس في إحدى كلماته:
"مصر مش هتسيب ولادها يرموا نفسهم في البحر. إحنا بنبني بلدنا عشان تكون فيها فرص حقيقية لكل شاب."

وقد أطلقت الحكومة المصرية العديد من المبادرات القومية مثل "حياة كريمة" و"مشروعك" و"مبادرة نورت بلدك" لتوفير فرص عمل وتدريب وتأهيل للشباب العائدين من الهجرة غير الشرعية.

كما كثّفت وزارة الهجرة حملاتها التوعوية مثل حملة "قبل ما تهاجر... فكر" لتوعية الشباب بمخاطر الهجرة غير المشروعة.

حل مشكلة الهجرة غير الشرعية يحتاج إلى خطة متكاملة تبدأ من معالجة أسبابها، لا نتائجها فقط.

فأهم أسبابها هي: البطالة، ضعف الدخل، وغياب الأمل في المستقبل.

لذلك يجب أن تشمل الحلول:
توفير فرص عمل حقيقية في القرى والمحافظات الأكثر فقرًا.
تطوير التعليم الفني والتدريب المهني ليتناسب مع احتياجات سوق العمل.
زيادة الوعي الإعلامي والديني بمخاطر الهجرة غير الشرعية.
 تشجيع الاستثمار المحلي في المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
محاربة سماسرة الهجرة وتشديد الرقابة على الحدود.

الهجرة غير الشرعية ليست مغامرة بطولية كما يظن البعض، بل مأساة إنسانية تكتبها مياه البحر كل يوم.

وإذا كنا نريد حقًا القضاء عليها، فعلينا أن نفتح أمام الشباب أبواب الأمل داخل الوطن، لا أن نتركهم يبحثون عنه في عرض البحر.

فالوطن لا يبنى بالهروب، بل بالمثابرة والعمل والإيمان بأن المستقبل ممكن على أرض مصر.