كتب : صهيب مصطفى
على ناصية أحد الشوارع المزدحمة بقلب العاصمة، يجلس طفل ذو العشرة أعوام. يداه الصغيرتان تلتفان حول ركبتيه المضمومتين إلى صدره النحيل، وعيناه التائهتان تشقان زحام المارة غير آبهتين بضجيج المدينة. قطعة خبز جافة هي كل ما يملك، ودفء الرصيف الخشن هو مأواه الوحيد. هذا الطفل ليس وحيدًا؛ الآلاف مثله يتشاركون نفس القدر، يعيشون في عالم موازٍ، عالم تحتضنه الشوارع الباردة ويطويه النسيان. ظاهرة "أطفال الشوارع" ليست مجرد أرقام تُحصى في تقارير المنظمات، بل هي قصص إنسانية مؤلمة، تتجسد فيها أقسى صور الحرمان والإهمال. فما الذي يدفع هؤلاء الأطفال إلى قسوة الشارع، وكيف تلتهمهم هذه الظاهرة الصامتة ؟
تتعدد الأسباب التي تدفع الأطفال إلى حياة الشارع، وتشكل في مجملها دوامة يصعب الخروج منها. في المقام الأول يأتي التفكك الأسري والعنف المنزلي. كثير من هؤلاء الأطفال يهربون من بيوت غاب عنها الأمان، حيث يتلقون الضرب والإهانة، أو يعيشون في ظل آباء مدمنين أو غير قادرين على الرعاية. تصف طفلة بالغة من العمر 14 عامًا بصوت خافت: "كان والدي يضرب والدتي كل يوم، ولم أستطع أن أتحمل رؤية ذلك. الشارع كان أهون".
بالإضافة إلى ذلك، يلعب الفقر المدقع والحاجة الاقتصادية دورًا حاسمًا. تجبر الأسر شديدة الفقر أطفالها على العمل في الشارع ليعولوا أنفسهم وأسرهم. يبدأ الأمر غالبًا بالتسول أو بيع المناديل، ثم يتطور إلى أعمال أكثر خطورة كمسح السيارات أو جمع الخردة. هذه الأعمال، وإن كانت توفر قوت اليوم، إلا أنها تحرمهم من أبسط حقوقهم في التعليم والرعاية الصحية. وفقًا لإحصائيات غير رسمية، يعتمد أكثر من 60% من أطفال الشوارع على التسول كمصدر دخل رئيسي.
كما أن النقص في برامج الدعم الاجتماعي والحماية يساهم في تفاقم المشكلة. فغياب الملاذات الآمنة، أو صعوبة الوصول إليها، يجعل الشارع هو المأوى الوحيد للأطفال الهاربين أو المطرودين. لا توجد آليات كافية لاحتواء هؤلاء الأطفال مبكرًا وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي اللازم لهم قبل أن يتوغلوا في حياة الشارع.
الشارع كـ "بيت": واقع مرير وتحديات يومية
بمجرد أن يصبح الشارع هو المنزل، تبدأ التحديات الحقيقية. يعيش أطفال الشوارع في بيئة قاسية، يتعرضون فيها بشكل مستمر لـالمخاطر والانتهاكات. الاعتداء الجسدي والجنسي، الاستغلال في أعمال غير مشروعة كترويج المخدرات أو السرقة، والتعرض للأمراض بسبب سوء التغذية ونقص النظافة، كلها جزء من يومياتهم. يقول الدكتور خالد محمود، أخصائي علم النفس الاجتماعي: "هؤلاء الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية عميقة مثل الاكتئاب والقلق وصدمة ما بعد الضغط النفسي، نتيجة لما يواجهونه من عنف وإهمال وتشريد".
غياب التعليم والهوية: لا يقتصر الأمر على الحرمان المادي، بل يمتد إلى الحرمان من أبسط حقوق الإنسان، كالتعليم والهوية. كثيرون منهم لا يملكون أوراقًا ثبوتية، مما يجعلهم "غير مرئيين" في نظر القانون والمجتمع. هذا يحد من فرصتهم في الحصول على أي خدمة أو حق، ويزيد من صعوبة دمجهم في المجتمع لاحقًا. "لم أذهب إلى المدرسة يومًا واحدًا"، يقول طفل يبلغ من العمر 12 عامًا، وهو يحمل علبة صمغ صغيرة، "كل ما أعرفه تعلمته هنا في الشارع".
المبادرات.. بصيص أمل في الظلام؟
على الرغم من قتامة المشهد، إلا أن هناك جهودًا فردية ومبادرات مجتمعية تسعى لتقديم يد العون لهؤلاء الأطفال. بعض الجمعيات الخيرية توفر ملاجئ مؤقتة، ووجبات طعام، ومحاولات لإعادة دمجهم في العملية التعليمية أو الأسر البديلة. "مؤسسة الأمل للأطفال"، على سبيل المثال، نجحت في إعادة أكثر من 50 طفلًا إلى أسرهم أو توفير مأوى آمن لهم خلال العام الماضي. كما تعمل على تقديم ورش عمل لتأهيلهم النفسي والمهني. هذه الجهود، وإن كانت قطرة في محيط، إلا أنها تمثل بصيص أمل لهؤلاء الأطفال وتؤكد أن هناك من لا يزال يهتم لأمرهم.
ظاهرة أطفال الشوارع هي وصمة عار على جبين أي مجتمع يدعي التحضر. إنها ليست مجرد مشكلة اجتماعية، بل هي أزمة إنسانية تتطلب تكاتف الجهود على جميع المستويات: الأسرة، والمجتمع المدني، والحكومة. يجب أن تتضافر الجهود لوضع برامج وقائية للحد من الأسباب المؤدية للتشريد، وتوفير شبكات أمان اجتماعي قوية، وملاذات آمنة، وبرامج تأهيل فعالة لإعادة دمج هؤلاء الأطفال في نسيج المجتمع. فكل طفل في الشارع هو قصة لم تُروَ بعد، وحلم لم يتحقق، وصرخة صامتة في أزقة مدينة لا تزال تتعلم كيف تستمع. إنقاذ طفل من الشارع هو إنقاذ لمستقبل، وإعادة الأمل لروح أنهكها اليأس.
