كتب : نيفين رضا
عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-أنَّ رسول الله-ﷺ-قال:
* (الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ، وبينهما مُشَبَّهاتٌ لا يعلمُها كثيرٌ من الناسِ، فمَنِ اتقى المُشَبَّهاتِ استبرَأ لدينِه وعِرضِه، ومَن وقَع في الشُّبُهاتِ : كَراعٍ يرعى حولَ الحِمى يوشِكُ أن يواقِعَه، ألا وإن لكلِّ ملكٍ حِمى، ألا وإن حِمى اللهِ في أرضِه مَحارِمُه، ألا وإن في الجسدِ مُضغَةً : إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ .)*
المصدر: صحيح البخاري - 52.
الشرح :
هذا أحدُ الأحاديثِ الَّتي عليها مدارُ الإسلامِ؛ فهو حديثٌ عظيمٌ، وأصلٌ مِن أصولِ الشَّريعةِ، وهو مِن جوامعِ كَلِمِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
حثَّ فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الورَعِ، وتركِ المتشابهاتِ في الدِّينِ، فقال: الحلالُ بيِّنٌ، أي: إنَّ الحلالَ ظاهرٌ واضحٌ، وهو كلُّ شيءٍ لا يوجدُ دليلٌ على تحريمِه مِن كتابٍ أو سنَّةٍ، أو إجماعٍ أو قياسٍ؛ وذلك لأنَّ الأصلَ في الأشياءِ الإباحةُ، وكذلك الحرامُ ظاهرٌ واضحٌ، وهو ما دلَّ دليلٌ على تحريمِه، سواءٌ كان هذا الدَّليلُ مِن الكتابِ، أو كان مِن السُّنَّةِ، أو كان دليلُ التَّحريمِ مِن الإجماعِ.
ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وبينهما مُشبَّهاتٌ لا يعلَمُها كثيرٌ مِن النَّاسِ، أي: وبين الحلالِ والحرامِ قسمٌ ثالثٌ، وهو المُشتبِهاتُ، أي: الأمورُ الَّتي تكونُ غيرَ واضحةِ الحُكمِ مِن حيث الحِلُّ والحُرمةُ، فلا يعلَمُ الكثيرون هل هي حلالٌ أو حرامٌ، ويدخُلُ في ذلك جميعُ الأمورِ المشكوكِ فيها؛ مثل: المالِ المشبوهِ أو المخلوطِ بالرِّبا، أو غيرِه مِن الأموالِ المُحرَّمةِ، أمَّا إن تأكَّدَ أنَّ هذا مِن عينِ المال الرِّبويِّ، فإنَّه حرامٌ صِرفٌ دون شكٍّ، ولا يُعَدُّ مِن المُشتبِهاتِ.
ثمَّ قال: (فمَنِ اتَّقى الشُّبهاتِ، فقد استبرَأ لدِينِه وعِرضِه)، أي: مَن اجتنَبها فقد طلَب البَراءةَ لنفسِه، فيسلَمُ له دِينُه مِن النَّقصِ، وعِرضُه مِن القدحِ والذِّمِّ والسُّمعةِ السَّيِّئةِ، أمَّا مَن وقَع في الشُّبهاتِ واجترَأ عليها، فقد عرَّض نفسَه للخطَرِ، وأوشَك على الوقوعِ في الحرامِ، كراعٍ يَرعَى حولَ الحِمَى، وهو: المكانُ الَّذي جعَله الملِكُ لرعيِ مواشيه، وتوعَّد مَن رعى فيه بغيرِ إذنه بالعقوبةِ الشَّديدة؛ فالرَّاعي حول الأرضِ الَّتي حماها الملِكُ لنفسِه، وجعلها خاصَّةً له، قد تدخُلُ ماشيتُه في الحِمى، فيستحِقُّ عقوبةَ السُّلطان، كذلك مَن يتهاونُ بالشُّبهاتِ، فإنَّه على خطَرٍ؛ لأنَّها ربَّما كانت حرامًا، فيقَعُ فيه، وأنَّه ربَّما تساهَل في الشُّبهاتِ فأدَّى به ذلك إلى الاستهتارِ واللَّامبالاِة، فيقعُ في الحرامِ عمدًا؛ فإنَّ الشُّبهةَ تجُرُّ إلى الصَّغيرة، والصَّغيرةُ تجُرُّ إلى الكبيرةِ، نسأل اللهَ السَّلامةَ.
ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (ألا وإنَّ لكلِّ ملِكٍ حِمًى، ألا وإنَّ حِمى اللهِ محارمُه)، أي: إنَّ حِمَى اللهِ هي المعاصي الَّتي حرَّمها على عبادِه، فمَن دخَل حِماه بارتكاب شيءٍ مِن المعاصي هلَك، ومَن قارَبه بفِعل الشُّبهاتِ كان على خطَرٍ.
وقوله: (ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغةً، إذا صلَحَت صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَت فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ)، فهذه كلمةٌ جامعةٌ لصلاحِ حركاتِ بني آدَمَ وفسادِها، وأنَّ ذلك كلَّه بحسَبِ صلاحِ القلب وفسادِه، فإذا صلَح القلبُ صلَحَت إرادتُه، وصلَحَت جميعُ الجوارحِ، فلم تنبعِثْ إلَّا إلى طاعةِ اللهِ، واجتنابِ سَخَطِه، فقنِعَتْ بالحلالِ عن الحرامِ، وإذا فسَد القلبُ فسَدَت إرادتُه، ففسَدَتِ الجوارحُ كلُّها، وانبعثَتْ في معاصي الله عزَّ وجلَّ، وما فيه سَخَطُه، ولم تقنَعْ بالحلالِ، بل أسرَعَتْ في الحرامِ بحسَبِ هوى القلبِ ومَيلِه عنِ الحقِّ.
* ابشر......ثم ابشر. *
*فللّه عند كل فطر عتقاء من النار. *
عن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-أن رسول الله-صلي الله عليه وسلم-قال:
*(إنَّ للَّهِ عندَ كلِّ فِطرٍ عتقاءَ وذلِك في كلِّ ليلةٍ. *)
◼ المصدر: صحيح ابن ماجه - 1340.
وقال الالباني:حسن صحيح.
الشرح.
لصِيامِ الفَريضةِ في رمَضانَ فَضلٌ عَظيمٌ، ومن ذلك: غُفرانُ الذُّنوبِ والعِتقُ مِن النَّارِ؛ وذلك أنَّ فيه مُراقبةً خاصَّةً مِن العَبدِ لربِّه، وفيه تَجويعٌ للنَّفسِ ومَنعُها مِن الشَّهواتِ المباحةِ مِن أجْلِ اللهِ سبحانه؛ ولذلك خَصَّه اللهُ بأنَّه يَجْزي به.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ رَضِي اللهُ عَنهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قال: "إنَّ للهِ عندَ كلِّ فِطرٍ عُتَقاءَ، وذلك في كُلِّ ليلةٍ"، أي: يُنجِّي اللهُ مِن النَّارِ، ويُقدِّرُ النَّجاةَ للصَّائِمين عندَ وقتِ الإفطارِ كلَّ يومٍ في رمَضانَ، وقولُه: "في كلِّ ليلةٍ" بمنزلةِ التَّأكيدِ لِما قالَه، وإلَّا فقولُه: "عندَ كلِّ فِطْرٍ" يَشمَلُ كلَّ ليلةٍ بعُمومِه. وهذا يدُلُّ على أمورٍ عظيمةٍ؛ منها: كَثْرةُ العُتقاءِ مِن النَّارِ في أيَّامِ الصَّومِ في رمَضانَ بمَغفِرةِ ذُنوبِهم، وقَبولِ عِبادتِهم، وحِفْظِهم مِن المعاصي الَّتي هي أسبابُ العذابِ، وهذا الوعدُ العظيمُ يَشْحَذُ هِمَمَ الصَّائِمين للتَّسابُقِ إلى إحسانِ العبادةِ وإخلاصِها للهِ، لعلَّهم يَفوزونَ بكَرَمِه بالعِتقِ مِن النَّارِ. ومنها: التَّنبيهُ إلى اغتِنامِ الأوقاتِ الفاضلةِ للدُّعاءِ وسُؤالِ اللهِ إجابةَ الدَّعَواتِ، وتَلبيةَ الحاجاتِ، وتفريجَ الكُرباتِ.