كتب _السفير إسماعيل أبوزيد
الدكتور أحمد جويلي ( الفارس الذي لا يعرفه الكثيرون).
الدكتور أحمد جويلي الذي شغل منصب محافظ دمياط والاسماعيلية ووزير التموين والتجارة وسكرتير عام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية يعتبر حالة إنسانية وسياسية فريدة كشخصية مصرية عامة.
ترجع صداقتي بهذا الرجل الوقور الوطني المحترم إلى تسعة عشر عاما مضت.. كنت في مهمة رسمية للسعودية ضمن فريق الأمم المتحدة وكان هو يفاوض بنك التنمية الإسلامي لتمويل مشروعات تابعة لمجلس الوحدة الإقتصادية العربية .. ولأسباب فنية حضرت جانبا من النقاش مع سكرتير عام منظمة الفاو جاك ضيوف والدكتور أحمد محمد علي رئيس بنك التنمية الإسلامي. وقد لفت نظري إلى حد الإنبهار حديث د. جويلي عن خريطة مشروعات تغطي الدول الأعضاء في المجلس الإقتصادي معظمها يصب في مصلحة البلدان الفقيرة ويركز تحديدا على الفئات الأشد فقرا.. كان حماس الرجل واضحا وكأنه يتحدث عن أسرته وأبنائه وكانت إجاباته على كل الأسئلة تنم عن إلمام كامل بتفاصيل الوضع الإقتصادي للبلدان العربية ومستقبلها بعد عقد كامل من مهزلة عاصفة الصحراء الأمريكية وتوابعها.. وقال لي بالحرف الواحد: ".. هم العرب لسه شافوا حاجة ..لسه ياما هانشوف.."
ثم أدينا العمرة معا بطلب منه وطار كل منا الى عمله..
وكنت أتصور أن لقائي به سيمضي كأي لقاء مع أي مسؤول حتى فوجئت به يطلبني من مصر مهنئا بالعيد الكبير .. وتوالت أحاديثنا التليفونية شبه اليومية وكنت حريصا أن ألقاه في كل زيارة أقوم بها لمصر .
وعندما أخترت ممثلا لمنظمات الأمم المتحدة المتخصصة في المرصد المتوسطي بوزارة الخارجية الإيطالية وطلب مني السيد فرانكو فراتيني نائب رئيس الإتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الإيطالي السابق أن أرشح ثلاثة أشخاص لمجلس إدارة المرصد يتمتعون بالكفاءة والسمعة الحسنة وذلك لتفعيل دور المرصد كوسيط بين دول حوض البحر المتوسط الجنوبية ومجموعة الإتحاد الأوروبي لم أجد لهذا الدور أفضل من د. جويلي لكفاءته وانحيازه الواضح للفقراء وحماسه الوطني وإيمانه الكامل بقيمة مصر وأهميتها عالميا.
وقد أبلى الدكتور جويلي في أعمال المرصد بلاءا حسنا وتوطدت علاقته بكل أعضائه وراجت سمعة مجلس الوحدة الإقتصادية العربية بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل ..
ومن خلال تجربتي معه أستطيع القول أن الرجل كان مهموما بالشأن المصري وبالطبقات الكادحة تحديدا وكان يقول لي إنه وهو وزير للتموين في حكومة د. الجنزوري كان يفاجئ المخابز في الأحياء الشعبية وكان يقف بنفسه يصرف العيش حتى إختفت طوابير الخبز تماما.. وهو الذي ابتدع فكرة تصريف السلع في مجمعات استهلاكية شعبية أو متطورة .. وقد فوجئت باسمه محفورا في لوحة رخامية مفتتحا مجمعا استهلاكيا تحت البيت الذي كنت أسكنه بالزمالك ... وعندما سألته ولماذا الزمالك يا معالي الوزير؟ قال "وهل تتصور أن كل أهل الزمالك يستطيعون تحمل أعباء الحياة ؟ وأضاف: فيه ناس مازالت عايشة على قديمه (يقصد الراتب أو المعاش) ثم أضاف: البيوت ياما بتدراري".. ربنا يبعد عنك ذل السؤال..
لكن شاغله الأساسي كان برنامجه لتفعيل فكرة السوق العربية المشتركة التي لم تتحقق حتى الآن لأسباب عربية غير مفهومة.
وكنت كلما زرته في مكتبه يدعوني إلى إلقاء نظرة على النيل وهو يقول هل رأيت في كل البلاد التي زرتها أو عملت بها أجمل أو أروع من هذا المنظر الفريد ؟ وقبل أن أجيب يرد: ما افتكرش..كان ذلك في مقر مجلس الوحدة الإقتصادية بمبنى الإتحاد الإشتراكي العربي الذي حرقوه عمدا في أحداث يناير .. ولابد أن وثائق المجلس وخرائط المشروعات والدراسات الفنية التي صرف عليها ملايين الجنيهات قد نالها جانب من الحريق.
بعد أحداث يناير ألح عليه البعض أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية ضمن فريق المرشحين في فترة المجلس العسكري.. وبعد تردد ومعارضة من أفراد عائلته وتحفظ مبدئي مشروط من جانبي حسم أمره وأعلن ترشحه .. وأجرى معه الأستاذ أيمن السيسي نائب رئيس تحرير الأهرام حديثا مطولا في فندق الماريوت أعلن فيه أنني المسؤول عن حملته الإنتخابية.. وتهافت عليه كل القنوات التليفزيونية مهلله لهذا الخبر إحتراما لتاريخ الرجل ودوره الوطني.
ثم إختفى من الساحة فجأة وترك المعركة الانتخابية لأهلها... واتصلت به من الخارج مستفسرا عن سر إختفائه فقال: قدر الله وماشاء فعل .. البركة فيكم أنتم .. وظل الحديث بيننا متصلا حتى وافته المنية دون أن أعرف سر عزوفه واختفائه المفاجيء من الحياة العامة ولكني أعرف شيئا واحدا أن هذا الفارس النبيل كان كتوما حتى في غضبه وكان شريفا محترما عفيف النفس واللسان .. لم يغير شقته المتواضعة منذ كان أستاذا بالجامعة حتى وفاته.
د.أحمد جويلي الصديق يظل في وجداني حاضرا أبدا
وأظل أفتقده ما حييت...
السفير إسماعيل أبوزيد
رئيس مجلس ادارة جريدة النيل اليوم
الإعلامي حسين جويلى
