كتب_ هايدي الصقار
هذه السورة الكريمة مدنية ما عدا آيتين مكيتين، وهي من سور المئين، وهي الوحيدة في السور المدنية، وعدد آياتها 129 آية، والسورة التاسعة في ترتيب المصحف، وقد نزلت بعد سورة المائدة.
هذه السورة الكريمة هي من أواخر ما نزل على رسول الله عقب غزوة تبوك أي بعد 22 عاماً من بدء الرسالة والوحي ، فقد روى البخاري عن البراء بن عازب : أن آخر سورة نزلت سورة براءة وروى الحافظ ابن كثير أن أول هذه السورة نزلت على رسول الله عند مَرْجِعِهِ من غزوة تبوك وبعث أبا بكر الصديق أميرا على الحج تلك السنة ليقيم للناس مناسكهم فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مُبَلِّغَا عن رسول الله ما فيها من الأحكام نزلت في السنة التاسعة من الهجرة وهي السنة التي خرج فيها رسول الله لغزو الروم واشتهرت بين الغزوات النبوية بـ " غزوة تبوك " وكانت في حر شديد وسفر بعيد حين طابت الثمار وأخلد الناس إلى نعيم الحياة فكانت ابتلاء لإيمان المؤمنين وامتحانا لصدقهم وإخلاصهم لدين الله وتمييزا بينهم وبين المنافقين .
ولهذه السورة الكريمة هدفان أساسيان إلى جانب الأحكام الأخرى هما :
أولا : بيان القانون الإسلامي في معاملة المشركين وأهل الكتاب .
ثانيا : إظهار ما كانت عليه النفوس حينما استنفرهم الرسول لغزو الروم .
وكأن هذه السورة تمثل البيان الختامي للدعوة والرسالة وقد نزلت في وقت كان المسلمون يستعدون للخروج برسالة الإسلام إلى خارج الجزيرة العربية والإنفتاح بهذه الرسالة على العالم كله، لذا فإن توقيت نزول سورة التوبة في غاية الدقة والحكمة.
وهي السورة الوحيدة في القرآن التي لم تبدأ بالبسملة، فالبسملة هي بمثابة بوابة تنقل القارئ من عالم إلى آخر تحت اسم الله تبارك وتعالى. والسرّ في عدم افتتاح السورة بالبسملة هي أن السورة نزلت في فضح الكفّار وأعمالهم
- عن ابن عباس قال : سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه لِمَ لَمْ تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال :لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان وبراءة نزلت بالسيف .
- عن محمد بن اسحاق قال : كانت براءة تسمى في زمان النبي المعبرة لما كشفت من سرائر الناس .
الاسم الأشهر لهذه السورة {بَرَاءَةٌ} [التوبة من آية:1]؛ فقد سميت بهذا الاسم في أكثر المصاحف، وجاءت هذه التسمية كثير من السلف. ففي (صحيح البخاري)، عن زيد بن ثابت، قال: "آخر سورة نزلت سورة براءة". وبذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه. وسبب هذه التسمية أن أول كلمة وردت في هذه السورة هي كلمة {بَرَاءَةٌ} [التوبة من آية:1]. ويمكن أن يقال: إنها سميت بذلك؛ لأنه سبحانه ذكر فيها براءته من المشركين. وسميت (التوبة)، جاءت هذه التسمية في أقوال بعض الصحابة رضي الله عنهم، من ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: "سورة التوبة هي الفاضحة". وترجم لها الترمذي في جامعه باسم (التوبة)؛ لأن الله سبحانه ذكر فيها توبة الذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك. وكتبت بهذا الاسم في المصاحف أيضاً. وجاء هذان الاسمان في حديث زيد بن ثابت في (صحيح البخاري)، قال رضي الله عنه: "فتتبعت القرآن، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة من الآية:128]، حتى خاتمة سورة براءة". وهذان الاسمان هما الموجودان في المصاحف. وسميت (الفاضحة)؛ لأنها فضحت أمر المنافقين، وكشفت مؤامراتهم ودسائسهم. روي عن سعيد بن جبير، قال: "قلت لابن عباس رضي الله عنهما: سورة التوبة؟، قال: "التوبة! بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل: {وَمِنْهُم} حتى ظننا أن لن يبقى منا أحد إلا ذُكر فيها".
فوائد سورة التوبة
روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : «من قرأ هذه السورة بعثه اللّه يوم القيامة بريئا من النفاق. ومن كتبها وجعلها في عمامته، أو قلنسوته، أمن اللصوص في كل مكان، وإذا هم رأوه انحرفوا عنه، ولو احترقت محلته بأسرها لم تصل النار إلى منزله، ولم تقربه أبدا ما دامت عنده مكتوبة».
وعن علي عليه السّلام : «لم تنزل بسم اللّه الرحمن الرحيم على رأس سورة براءة لأن بسم اللّه للأمان والرحمة، ونزلت براءة لرفع الأمان بالسيف».
وعن الصادق عليه السّلام قال : «الأنفال وبراءة واحدة».
وقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يا علي أمان لأمتي من السرق {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ } [الإسراء : 110] إلى آخر الآية {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة : 128] إلى آخرها .
و الله أعلم
