كتبت :رنا ايمن
في ليلة باردة وسماء ممطرة يساندها برق تتفرق خيوطه الذهبية في كل مكان، والرعد يدوي بكبرياء كأنه لا يخشي احد الا الله، ووسط ذلك ذهن شارد وقلب كأنما وافته المنية. نعم! انها مني، التي اعتادت الجلوس تشاهد امام شرفتها الحياة. تارة في النهار وتارة اخري في الليل. ففي النهار وسط الضجيج والمشاحنات ولكنها لم تبال، وكأنها تشاهد لقطة سينمائية لعالم لم يعد يربطها به شئ، وفي الليل كانت تتامل النجوم المتراقصة حول ضوء القمر وكأنه ملك وحوله الجواري يتراقصن، كم تعشق هذه الحياة وسط الظلام، وقطرات المطر تتساقط واحدة تلو الاخري، تتناثر علي وجنتيها فتختلط بدموعها التي لم تتوقف عن الانحدار وبصحبتها فنجال قهوتها الذي كان انيسها الوحيد في وحدتها الموحشة.
وفي هذه الاثناء ذهبت بذاكرتها الي الماضي السحيق تتذكر كم كانت مبتهجة ومتفائلة، تعشق الحياة ورونقها. كانت تنتمي لعائلة تنحدر من اصول صعيدية رصينة. اشتهرت بمحافظتها علي عادات وتقاليد الصعيد الاصيلة. ومن هنا كانت البداية، عندما جاء والد مني وهي ابنة التسعة عشر عاما واخبرها بان موعد زفافها سيكون في غضون بضعة ايام علي شاب حسن الخلق ومن عائلة ذات اصول كريمة، ولكن تمردت مني وقوبل طلب الزواج بالرفض من جانبها، فقد كانت تطمح الي استكمال دراستها. ولكن عائلتها كانت ككثير من العائلات التي تفضل زواج ابنتها علي ان تتعلم، فتعليم الفتيات بالنسبة لبعض العائلات وقتها لم يكن شئ ذو اهمية.
وبالفعل رضخت مني لرغبة والدها وتزوجت خالد وهي لا تعلم ماالذي يخبئه لها القدر. ولكن كان خالد مخالفا لكل توقعاتها، كان مثقفا، دمث الخلق، يتميز بطيب المعاملة، فقد تفاهما كثيرا ورزقهما الله بطفلين وعاشا حياة رائعه تملؤها البهجة والسعادة.
ولكن القدر لم يمهلهما كثيرا، فتوفي زوحها ونجليها علي اثر حادث اليم. فانطفأت انوار البيت وبهتت الوانه الزاهية ولم يعد يغطيه سوي الظلام الدامس الذي اصبح معتادا لها كل ليلة. وعلي الرغم من مرور خمس سنوات علي ذاك الحادث لاتزال تذكر تفاصيله بشكل واضح، فأضحت تبغض الحياة بدونهم وتظل تتساءل، الي متي سيظل هذا العذاب يلازمني، شعرت كثيرا بالرغبة في الانتحار وحاولت بالفعل ولكن تم انقاذها في اللحظات الاخيرة. واثناء علاجها شخصها الاطباء انها مصابة باكتئاب حاد وهذا المرض يعد من اخطر الامراض التي تصيب الانسان علي الاطلاق واعقدها، فهو احد الاضطرابات النفسية التي تحدث نتيجة لخلل في كيمياء المخ وذلك نتيحة لنقص هرمون الدوبامين وهو المسئول عن الاحساس بالسعادة، وزيادة في هرمون الكورتيزول وهو الذي ينبه الانسان لاي خطر يتعرض له ويرشده للتصرف بالطريقة الصحيحة في جزء اقل من الالف في الثانية، وزيادته تؤدي الي اضطرابات في انفعالات الفرد ومعدل نومه وذلك بسبب ارتفاع حدة القلق، هذا بالاضافة الي الحزن الشديد كما حدث مع مني. نصحها الطبيب النفسي مرارا وتكرارا بان تبدأ في العلاج لتتحسن حالتها ولكن للاسف وقفت امامها عقول وعادات وتقاليد قاصرة التفكير تري ان من يذهب للطبيب النفسي مجنون لا اكثر!! اي عدل هذا؟!
هل يعقل ان يبقي المرء ميتا علي قيد الحياة من اجل عادات وتقاليد بالية؟!
وبالفعل رفضت الخضوع للعلاج النفسي.
يالها من رحلة بائسة تذهب وتعود منها كل ليلة!
وافاقت من شرودها علي صاعقة، لقد رأته هو بعينه ابنها واقفا امامها في الشارع وسيارة مسرعة ستصطدم به، قفز قلبها وركضت باقصي سرعة لانقاذ الطفل والتقطته علي مسافة سنتيمترات من السيارة ولكنه لم يكن طفلها كما صور لها وقت شرودها. فطفلها كان قد ذهب لعالم بعيد لا عودة منه. وعلي الرغم من ذلك كست وجهها ابتسامة عريضة لاول مرة منذ خمس سنوات عندما سلمته لاسرته ورأت كم كانت فرحتهم والامتنان الذي حملوه لها. وقتها شعرت بشعلة ضوء تضئ قلبها وتساءلت في نفسها الي متي سأظل هكذا؟ هل سيقدر لي العودة للحياة مرة اخري؟ وكانت الاجابة....نعم، هاأنا قد عدت بالفعل بعد عشر سنوات من تلك الوقفة في الشرفة.
وهاأنتم ترونني امامكم الآن في اول محاضرة لي بعد حصولي علي درجة الدكتوراه في مجال الطب النفسي والذي بدات رحلتي معه كمريضة.اقف امامكم الان بعد ان تغلبت علي لعنة الاكتئاب واصبحت شخصية جديدة مفعمة بالحياة والحيوية.ولا يعني ذلك ان ننسي آلام الماضي ولكن لابد ان تستمر الحياة.فقد حرصت علي استكمال دراستي كما كنت احلم من قبل وشرعت في الذهاب للطبيب النفسي ولم اخجل من ذلك،فان النفس تمرض كما يمرض الجسد،وعليك معاجة الاثنين. فان كانت العادات والتقاليد المغلوطة تساهم في تدهورنا،دعونا نخرج من الغرف المظلمة لنور الحياة.
مررت بلحظات شعرت فيها بانها النهاية لا محالة.ولكن هاأنا لم أمت.
<script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js"></script>
<script>
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({
google_ad_client: "ca-pub-1758594855206587",
enable_page_level_ads: true
});
</script>
