سراب قصة قصيرة بقلم دينا زيدان
... سراب...
قصة قصيرة
وحدها الصدفة يمكن أن تكون ذات مغزى.. فما يحدث بالضرورة ما هو متوقع ويتكرر يوميا يبقى شيئا أبكم.. وحدها الصدفة ناطقة...
ميلان كونديرا
...
من نحن؟!
حفنة من الحمقى.. سُذج.. نخسر أنفسنا.. نحطم عالمنا.. لنبني علي أنقاضه عالم من الوهم.. وبعد فوات الأوان نكتشف أننا دمرنا كل شيء في سبيل اللاشيء.. في سبيل سراب..
نحن حقاً وبكل الخجل والأسى.. حفنة من الأغبياء!..
****
من أنا؟
ما اسمي؟
لا يهم..لا تلتفت لتلك التراهات.. فإنها لا تعنيني ولا تعنيك بمثقال حبة من خردل..
ما يُهم.. لماذا أنا هنا؟.. وما الذي أتيت لأخبرك به؟!
وسأُجيبك قبل أن تسأل..
أنا هنا بفعل القدر ربما أكون هدية منه وجئت لأنقذك من الشرك
الذي وقعت أنا فيه.. علّي أكون منقذتك قبل أن يفوت الأوان وتخسر كل شيء.. أتمنى ان أنقذك قبل أن تغوص في عالم السراب حتي الغرق!
****
ما قبل البداية
مرحبا من جديد..
قبل أن نبدأ سأطرح عدة أسئلة.. ربما لن تحب أن تخبرني بإجاباتها.. لا تقلق أن لا احتاج الإجابة.. لست هنا لأقيمك أنت من ستفعل ذلك بنفسك...
إليك الأسئلة..
كيف حالك اليوم؟
مهلا أنا أعرف الجواب لهذا السؤال.. حتما ستكون
"وما شأنك بحالي"..
وإن كنت لطيفا ف ستكون
"أنا بخير"
وإن كنت صادقا فستُجيب
" لا أعرف.. لا أبالي.. كالبارحة و كالغد"
أو الأصدق على الإطلاق
"لست بخير"
فلننتقل إلى الأسئلة التالية.. وهذه المرة ليس لدي جواب.. الجواب لديك وحدك..
"كيف حال أقرب الناس إليك وأقصد" أسرتك الصغيرة"؟ "
"ماذا تعرف عن تفاصيل يومهم؟ "
" متي كان أخر اجتماع عائلي حضرته؟ هل تتذكر الحضور.. من كانوا؟.. وما التفاصيل الصغيرة التي أثرت بك في ذلك اليوم"
" ما مخططات أسرتك لنهاية الأسبوع؟"
حسنا.. أعلم أنك مللت و عاجز عن الفهم أيضا
لا تمل فقد أنهيت أسئلتي.. وقد حان دورك لتُجيب وتُقيم نفسك..
وأنا متأكد حد اليقين أنك راسب وبجدارة!..
****
البداية
ربما تقودك صدفة لم تكن تفكر بها إلى واقع لم تكن لتفكر به..
"جبران خليل جبران"
أحيانا قد تجتمع الحروف لتّكون كارثة طبيعية كزلزال.. أو ربما إعصار.. سيمر علي حياتك ويترك أثرا كبيرا..
و الحروف التي زلزلت ثوابت حياتي كانت أربع تجمعت لتكون "صدفة"..
بدأ الأمر صدفة.. حين أصاب هاتفي خلل ما.. أصبح قطعة معدنية صماء.. بلا حياة لا يستجيب لأي محاولة لإنعاشه ومحاولاتي الفاشلة لبث الروح فيه من جديد.. وانتهى الأمر بإرساله إلى أحد مراكز الصيانة.. وأخبرني الفني بالمركز أن الأمر سيستغرق أسبوعا كي استعيد هاتفي.. ومن هنا بدأ كل شيء..
كانت سبع أيام كافية لتُغير كل شيء..
*****
اليوم الأول
ملل.. هذا ما أشعر به حل الملل كضيف غير مرغوب وأنا مضطرة لاستضافته.. أنا بلا هاتف.. وبلا إنترنت.. أشعر بالفراغ..
لم أكن يوما من محبي القراءة و ما يماثلها من هوايات لتزيل هذا الفراغ وتطرد هذا الملل.. خرجت اتفحص أحوال من هم بالمنزل..
حسناً.. إنها الثالثة عصرا.. البيت هادىء ومرتب.. لم يحن موعد عودة أبي من العمل بعد..
وبالطبع تلك الرائحة اللذيذة التي تداعب أنفي بالإضافة إلى صوت الأواني.. يخبراني عن مكان أمي.. إنها في مملكتها الخاصة... قادتني قدماي إلى المطبخ...
لا أعرف لما لكنني وفقت استند على إطار الباب لأراقب أمي وهي منهمكة في إعداد الغداء.. تمسح حبات العرق المتناثرة على جبينها بظهر يدها.. بينما عينيها تفيض بالحب.. بالرغم من أني لا أرى عينيها ولكني أرى هالة الحب المحيطة بها..
دلفت إليها وعرضت المساعدة.. كانت مندهشة فلم أكن من محبي المطبخ أيضا..
أوكلت إلىّ مهمة تقطيع الخضروات وإعداد السلطة...
لا أدري متى بدأ الحديث أو كيف بدأ..
وكيف انتهى وأمي تخبرني بطريقة إعداد وصفة ما..
لم أكن أظن أني سأتفوه بتلك الكلمات لكن "لم تكن جلسة المطبخ سيئة حقا كانت ممتعة" ..
***
عاد أبي من العمل في الخامسة.. اجتمعنا على طاولة الطعام لنتناول الغداء سويا.. كان الصمت يغلف الأجواء ولكنه كان معبق بالدفيء.. لا أعرف ما أصابني المشاعر أصبحت هي المسيطرة علىّ.. فرضت سلطتها عليّ و بت أسيرة لها حتى أنني أشعر بالدموع تجمعت في مقلتاي.. ربما لأني على صلة مباشرة مع هذه المشاعر.. فهي منتشرة في كل مكان.. أتنفسها مع الهواء فهي مختلطة مع ذراته... لا تمر بأي حاجز ولا يحجبها عني شيء.. أشعر بها بجميع حواسي.. أراها في نظرات أبي وأمي.. استمع إليها في نبراتهم الحانية الهادئة..
غفلت عن الطعام.. فوضى المشاعر أصابتني بالتخمة..
جلست أتأمل تفاصيل أبي وأمي.. طريقة تناولهما للطعام.. نظراتهم الدافئة..
وعندما أمعنت التركيز أصبت بالاندهاش والصدمة..
تلك التجاعيد التي حفرت نفسها على ملامح أبي... ليل رأسه الأسود متى تحول إلى الفضي كلون أشعة البدر.. و حال أمي لم يختلف كثيرا.. متى تغير كل شيء فجأة؟.. أم أنا من كنت في غفلة؟.. هل مر الكثير من الوقت؟.. كيف لم ألاحظ؟.. أسئلة طرحها عقلي وللأسف لا أملك جواب...
انتهينا من تناول الغداء.. ومن تنظيف طاولة الطعام وجلي الأطباق.. أعدت أمي الشاي بالنعناع كما يحبه أبي.. واتجهت إلى الشرفة.. سرت خلفها.. رأيت أبي جالس علي مقعد خشبي.. وبجانبه آخر فارغ هو بالتأكيد لأمي.. وبينهما طاولة خشبية صغيرة.. جلسا يتبادلان الحديث حول تفاصيل يومهما..
منذ متى وهما يحافظان على تلك العادة؟...
عقلي يطرح الكثير من الأسئلة.. وأنا لا أملك لأي منها جواب..
الصدمة هي كل ما أملك... كأن هذه ليست حياتي.. لست البطلة ولا حتى كومبارس.. ليس لي دور من الأساس.. من المفترض أن أكون البطلة بينما أنا في أخر صفوف المشاهدين!...
***
انسحبت إلى غرفتي بهدوء.. الأسئلة مازالت تتصارع في عقلي..
وأنا أيضا ما زلت لا أملكـ جواباً.. لم أجد حلاً سوى الهروب.. كان النوم هو الحل الأمثل.. زفير طويل خرج يحمل معه بعض اضطرابي.. وأغلقت عيني لأهرب للأحلام علها تكون رحيمة بي.
******
اليوم الثاني
اليوم الجمعة أمي أيقظتني لتخبرني عن عزيمة بمنزل جدي بمناسبة عودة عمي من الخارج و لا مفر من الذهاب.. أخبرتها أن تذهب برفقة أبي وأنا سوف ألحق بهما..
عدت للنوم من جديد مشاعري ما زالت مضطربة متى مر الوقت هكذا.. وكيف؟.. هل كنت كل ذلك الوقت أسيرة لوهم.. أين هم الآن.. مئات بل الآلاف من الأصدقاء.. أنا الآن بمفردي.. ومرة أخرى اختارت الهرب إلى عالم الأحلام..
استيقظت كانت صلاة الجمعة انتهت منذ وقت.. انتهيت من كيّ و ارتداء ملابسي صدح آذان العصر.. خرجت من المنزل إلى بيت جدي.. المسافة ليست كبيرة ولا صغيرة .. اخترت أن أذهب على قدماي لكى احظى ببعض الوقت لترتيب أفكاري.. إخفاء فوضاي جيدا و استعادة بعض من نشاطي فقد نمت أكثر من اثنتي عشرة ساعة.. أحاول أن أتنفس الهواء بعمق أملأ رئتاي بالهواء وإن كان ملوثا بعوادم السيارات وما يشبهها من أشياء.. لكنه يشعرني بالحياة.. الحرية.. هل إلى هذا الحد وصل بي الأمر.. أن أصبح سجينة لفقاعة أنا من صنعتها وهي من ابتلعتني!..
ولأول مرة منذ وقت طويل أسير في الطريق بلا شيء يحجبني عنه.. لا "هاند فري" ولا "هيد فون".. ضجيج الشارع و صخبه يصلان إليّ.. جعلاني اندمج أكثر أشعر بالحياة.. و لأول مرة أري بعيون أخرى.. أنظر إلى العالم من حولي.. أنظر إلى المارة في الطريق.. أحاول قراءة وجوههم قراءة عيونهم.. انسج قصة لحياتهم من وحى خيالي لما أظن أنني رأيته في عيونهم.. قد يراه البعض تطفلا وأنا أيضا كنت أؤنب نفسي لكن الأمر كان مثيرا أن أرى الحياة بعدة عيون.. بكل عين حياة مختلفة.. ليست حياة يعيشها الجميع بل لكل شخص حياة يعيشها وحده..
***
هناك بعض الأماكن تغلفها المشاعر.. يحيطها دفئ يغمرك.. شجن يلمس قلبك.. حنين يدخل رئتيك مع الهواء.. ذكريات مبعثرة في كل ركن.. وبيت جدي كان هذا المكان حيث تجسدت المشاعر في شكل مادي واتحدت لتنتج هذا المكان.. وليس مجرد بناء هندسي من معدن وحجارة..
مع كل خطوة في منزل جدي ومع كل ذكرى نُقشت علي جنبات هذا المكان واسترجعها عقلي و قلبي تسقط سنوات عمري.. ينهار الزمن.. حتى وصلت إلى أحضان جدي وجدتي.. عدت طفلة من جديد... بريئة.. خفيفة الروح...
سلمت على عمي و زوجته وابنه الأكبر.. وأخبرني جدي عن مكان البنات حديقة المنزل.. ذهبت إلى حيث هما.. ودفئ المكان حولنا والذكريات المتدفقة أذابت أي برودة نتيجة لسنوات الغربة والبعد.. يبدو أن التأثير الساحر للمكان شملهما أيضا
كان يوما رائعا يمكنني القول أنه الأروع على الإطلاق.. لم نتوقف عن اللعب الضحك.. والحركة.. اجتمعت العائلة على طاولة الطعام التي بالطبع كان يرأسها جدي.. نتناول الطعام مع تبادل الحديث حول ذكريات جميع أفراد العائلة.. كانت الضحكات تعزف مقطوعة من الحب والفرح...
انتهينا من الطعام.. صعدت مع الفتيات إلى غرفة بالأعلى... واجتماعات البنات مصطلح ليس بحاجة إلى سرد..
بدايته غرفة مغلقة وأوسطه "كوافير الفاتنات" ونهايته "كبارية النجوم"
وما بين ذلك من تفاصيل عجز عنها السرد ففر هاربا..
***
مر الوقت سريعا وكأن عقارب الساعة كانت على متن قطار سريع لتصل إلى محطة الثانية عشرة بهذه السرعة..
لم أُرد الرحيل.. أريد قضاء المزيد من الوقت في هذا المنزل برفقة الفتيات و روح الطفولة التي عادت إليّ في هذا المكان.. ألحيت على أبي وأمي كي يتركني.. جدي وجدتي كانا داعمين لي.. ولم يعد لوالدي حق الاعتراض..
******
اليوم الخامس
"لقاءات مع الموت"
اليوم.. الإثنين
التوقيت.. بعد ظهيرة
استيقظت وتفاصيل الثلاث أيام الماضية يسترجعها عقلي من جديد يكررها كي لا ينسي تفاصيلها.. تراها عيني.. واللوحة لن تكتمل إلا بهذه الابتسامة العريضة على وجهي الآن.. ويمكنني اليوم الاعتراف أن عمري الذي عشته لا يتخطى هذه الأيام الثلاثة وبعض الأيام القديمة والذكريات.. ف مؤخرا أدركت أن العمر لا يُقدر بعدد السنوات التي عشتها بل يقدر بعدد اللحظات التي أدركت فيها أنك على قيد الحياة فانقباضات القلب و إنبساطاته دليل أنك حي ولكن ليس بالضرورة أن تكون على قيد الحياة...
اليومان الماضيان بصحبة الفتيات كانا رائعين سواء قضين الوقت بالمنزل أو بالخارج لغرض التنزه والتسوق وكافة شيء آخر..
وكما السابق.. اجتماعات البنات ليست بحاجة إلى السرد..
اجتماعات البنات مصطلح فشل في ترويضه السرد..
رفقة الفتيات بالأيام الماضية فتحت عيوني على حقيقة أخرى كنت غافلة عنها.. أنا بلا أصدقاء.. لا أعرف عن الصداقة الحقيقية شيء.. لا خروج برفقة صديقات ولا اجتماعات.. لا فرح.. لا حزن أو جنون أتشاركه مع أحد.. سوى من خلف شاشة هاتفها..
تلاشت ابتسامتي.. عدت إلى تلك الدوامة من جديد.. وعند هذه النقطة تململت ونهضت من فراشي لأبدأ يوم جديد قد انتصف ومن هنا كانت بداية ما أطلقت عليه
"لقاءات مع الموت"
خرجت من غرفتي اتجول بالبيت لأرى ما تفعله أمي وكيف يمكنني مساعدتها لأهرب من التفكير وأحظى ببعض الدفيء..
وبينما اتحرك اصطدمت قدمي بشيء الأرض.. اخفضت عيناي لأرى ما جمدني تماما.. توقفت جميع وظائفي الحيوية عن العمل.. بت تمثلا قد نُحت من حجارة
أبي ملقى على الأرض شاحب الوجه.. كأن لا حياة فيه.. ولا قطرة دماء واحدة تمر في عروقه.. تجمد الدم في عروقي مثله تماما.. أحاول الصراخ ولا صوت..
حاولت التغلب على صدمتي وبعد عدة محاولات غلبت تيبس مفاصلي والانحناء لالتقاط كف أبي.. باردة كالقطبين.. ووجه أبي أبيض كلون ثلوجهما.. نبضه بطيء جدا حد عدم وجوده.. أصرخ بأمي ولا رد.. لا إجابة.. تركت أبي وأنا اتحرك بهلع داخل المنزل ولا أحد.. يبدو أن أمي خرجت لقضاء أمر يخص المنزل..
خرجت للاستعانة بأحد الجيران.. وبالفعل ساعدني أحد الجيران.. لننقل أبي إلى المشفى بعدما تأخرت سيارة الإسعاف..
"غيبوبة سكر نتيجة انخفاض حاد ومفاجئ في مستوي السكر"
هذا ما ردده الطبيب بعملية وروتينية ومكررة حد الاعتياد..
وكانت كلماته و رد فعل الجار الذي لم يندهش ويبدو أنه علي علم بالأمر.. صفعة لي.. بل صدمة لعقلي وطعنة غائرة لقلبي.. ليس لأن أبي مصاب بالسكر.. فهو أضحى مرض العصر وملازم للكثير بل أصبح أكثر من الصداع انتشارا.. رغم صعوبة وضع أبي.. ولكن لأن أبي مصاب بالسكر وجارنا يعلم وبالطبع أمي والجميع.. وأنا أخر من يعلم وبأسوأ طريقة على الإطلاق..
هل قلت سابقا أني أشعر بالضياع؟.. إذن ما هذا الذي أشعر به الآن.. لا أعرف.. لا يهم.. هل سيفيد معرفة شعوري بشيء.. هل سيعيشه أحد بدلا مني أو سيشاركني إياه.. إذن لا فائدة من معرفة شعوري الآن.. الآن لا مناص من التفكير.. من مواجهة أفكاري دائما اخترت الهرب حتى هربت من حياتي إلى سراب كنت أحيا داخله بمفردي.. أنا لست بطلة القصة ولا الراوي ولست حتى كومبارس أو في آخر صفوف المشاهدين..
أنا مجرد عابر سبيل.. و أنا من اخترت...
لا أعرف كم مر من الوقت.. كنت غائبة تماما في فوضاي.. لم انتبه سوى وأمي تربت على كتفي.. أجبتها بنظرة خاوية.. سحبتني إلى الدفء بين ذراعيها.. وعندما تلمست هذا الدفء شعرت بمدى خسارتي.. انهمرت دموعي فقدت السيطرة عليها بكيت كما لم أفعل من قبل.. جفت دموعي وما زلت متشبثة بأمي و ب ملابسها كأني كنت تائهة ووجدت وطني.. أخرجني من أحضانها برفق تربت على كتفي.. أخبرتني أن أذهب إلى بيت جدي كي لا أكون بمفردي بالمنزل فهي ستظل بجوار أبي.. باءت محاولات بقائي بالفشل وخاصة عندما أدركت أنني خرجت بمنامتي من شدة الصدمة..
بالنهاية رضخت للأمر الواقع.. سأذهب إلى البيت لتبديل ملابسي و اتجه إلى منزل جدي.. خرجت لا أرى شيء تائهة.. كل شيء ينهار.. السراب يتلاشى والواقع ينهار.. وكأن اليوم لم يكن صعبا بما يكفي.. بدايته صدمة أوسطه انهيار.. والتتمة كانت نهاية مروعة.. فقد كنت على لقاء مع النهاية الوحيدة والحتمية... كنت على لقاء مع الموت.. بعد قطع عدة خطوات شاردة انتبهت على صوت صرير إطارات سيارة صوت اصطدام فوضى وصراخ.. وسكن كل شيء.. لم يستغرق الأمر سوى دقيقة.. ستون ثانية وسكن كل شيء.. انتهى كل شيء.. قبل ستين ثانية كان هذا الشاب الملقى أرضا غارقا في دمائه.. ينتمي لعالم الأحياء يتنفس.. يسير.. ويضحك.. والآن هو لم يعد ينتمى إلى هذا العالم.. قبل ستين ثانية كان هنا والآن لم يعد... استغرق الأمر ستين ثانية أخرى ل استيعابه.. ثم أطلقت ساقاي للريح..
فقدت السيطرة على كل شيء دموعي منهمرة تغشي عيني وعقلي توقف تماما عن العمل.. لأعلم كيف وصلت منزلنا وابدلت ثيابي وخرجت مجددا لمنزل جدي..
ومع أول خطوة داخل منزل جدي.. خارت قواي و الوعي اكتفى عند هذا الحد فقرر تركي هو الآخر....
****
اليوم السادس
فتحت عينيّ الصورة مشوشة الجميع حولي القلق رسم نفسه على ملامحهم.. رمشت بعيني عدة مرات في محاولة لاسترجاع ما حدث بالأمس و وضوح الرؤية أكثر.. هل كنت نائمة وكان مجرد كابوس عابر وأنا الآن استيقظت.. كانت تلك أمنيتي وكان للواقع رأى آخر.. وجوههم القلقة تؤكد أنه لم يكن كابوس عابر هو الحقيقة بعينها.. وعندها شعرت بدموعي تنهمر مجددا في صمت.. كان الجميع يحاول بث الاطمئنان إليّ.. الجميع يظن أن انهياري الآن والبارحة بسبب قلقي على أبي.. فبعد إفاقتي من الإغماء بالأمس... استمرت دموعي في الطول بهدوء وصمت حتى نفذت قواي وغفوت.. وها أنا من جديد.. ولكن هذه المرة عقلي يحمل فوضى وصخب أحسب أنها تصل إلى الجميع حولي.. الموت الحقيقة الوحيدة والنهاية المؤكدة.. ولكن أن يكون بهذا القرب.. والتقي معه.. وأبي.. هل الموت قريب منه إلى هذا الحد.. هل سأفقده قريبا.. لا لم اكتفي منه بعد لم أحظى بالوقت الكافي بجواره.. دفئه.. حنانه لم أتشبع منهما بعد.. رأسي حلبة تتصارع بها الأفكار.. ودموعي وحدها الشاهدة على أفكاري تلك.. حركت رأسي يمينا ويسارا عليّ استطيع التخلص من أفكاري تلك أو على الأقل ترتيبها.. تماسكت قليلا.. استطعت حبس دموعي واستعادة بعض قوتي.. يجب أن أذهب إلى أبي.. إن كان الوقت المتبقي قليل فيجب أن أكون بجواره... قد يكون آخر ما تبقى له من الوقت في هذا العالم.. هذا الهاجس جعلني أنهض سريعا وأذهب إلى أبي.. ومجددا كنت على لقاء آخر مع الموت..
***
دلفت إلى المشفى بقلب واجل.. تخطيت مكان حادث الأمس القريب من المشفى.. أغمضت عيني كي لا أسمع للذكرى من التسلل إلى عقلي من جديد رغم أنها لم تفارقه.. كل خطوة في أروقة المشفى.. تقربني إلي أبي وإلى الخوف أيضا.. تزداد ضربات قلبي بين ضلوعي.. وصلت ذروتها عندما وصلت إلى الرواق التي تقبع فيه غرفة أبي.. وهدأت تدريجيا عندما رأيت أنفاس أبي الهادئة.. ونبضاته المستقرة التي يوضحها ذلك الجهاز الخاص بقياس النبض.. لم ألتفت إلى تلك التربيتة الحنون على كتفي.. بالطبع إنها أمي تحاول بثي بعض الأمان بينما قلبها يرتجف.. لم تبتعد عيناي عن جسد أبي الممدد.. مر الوقت الشمس على مشارف الرحيل.. صممت أن أرافق أبي هذه الليلة.. أقنعت أمي بالذهاب لتبدل ثيابها وتحظى ببعض الراحة. التي أعلم أنها لم تنل منها القليل مذ خطت قدماه داخل هذه المشفى.. وأمام إصراري ازعنت أمي لطلبي وذهبت إلى البيت.. تنهدت وأنا أعود بأنظاري إلى أبي.. بعد وقت لا أعلم مدته أ كان طويلا أم قصيرا.. كان لقائي الثاني مع الموت.. بالغرفة المجاورة لغرفة أبي.. تعالى النحيب وشق الصراخ هدوء المكان.. لقد توفي المريض.. البقاء لله.. رددها الطبيب بجمود لأهل ذلك الرجل... انتفض قلبي.. عاد بجنون النبض... تخطت دموعي السد الوهمي وفاضت.. الصراخ يخترق أذني ويصل إلى قلبي ليحرقه.. جمرات مشتعلة تخترق صدري وأضلعي تصيب هدفها وتستقر في قلبي.. الموت فرض سيطرته على المكان.. حضوره الطاغي.. المقبض للقلب.. لم تعد دموعي مجرد فيضان باتت سيول جارفة تنحت مجراها على وجهي.. هل كان ذنبي عظيم لهذا الحد كي تحل بي لعنة سيزيف.. الألم يتكرر.. كدا أصدق أنه سرمدي لن يزول.. إنه يشتد.. بالأمس رأيت الموت فقط اليوم أنا رأيته وشهدت أثره على الآخرين..
******
اليوم السابع
أشرقت شمس يوم جديد بعد أطول ليلة قد قضيتها في عمري.. عادت أفكاري تتصارع من جديد.. لم تجف دموعي.. وعيناي ما زالت معلقة بأبي.. رغم وجود الزجاج حائل بيننا ..أتشبع من ملامح أبي.. أحفظ تفاصيله.. أطبعها داخل عقلي وإن غزاها شحوب طفيف.. هل يمكن أن تكون اللحظة التالية هي الأخيرة.. سأفقده وإلى الأبد..
الحياة تختلف والموت واحد
الحياة تختلف والموت ثابت.
قضيت ساعات الليل لم اتزحزح قيد أنملة في أمام الحاجز الزجاجي عيناي ثابتة على أبي أخشى إغلاقهما.. فافتحهما لأجد النهاية قد حلت.. ومع أول شعاع وليد لليوم الجديد.. أشرقت الحياة من جديد.. بدأ أبي يعود تدريجيا.. يحرك يده الحرة من المحلول المغذي.. يحاول فتح عيناه.. ومع تمام شروق الشمس.. عاد أبي من جديد.. أشرقت شمس عيناه.. عاد وهج الحياة.. جاء الطبيب.. أخبرني عن تحسن أبي.. خرج الطبيب وارتميت بأحضان أبي.. أقبل رأسه وجهه ويديه.. جاءت أمي وعند العصر خرجنا برفقة أبي من المشفى بعد إنهاء كافة الإجراءات.. توقفت في الطريق ل استلم هاتفي وقد دبت فيه الروح..
وضعته داخل حقيبتي بإهمال.. لم أنظر إلى الرسائل.. لم التفت لشيء..
ف الآن لدي شيء آخر.. جديد.. أكثر أهمية.. لدي حياة..
الخمر.. الحشيش. الماريجوانا.. وما يشبهها مع الاحتفاظ بالقوس مفتوح كما يقال
مسكرات تذهب العقل.. تم تحريمها واكتشاف أثرها ومعالجتها..
ولكن الأكثر خطورة مالم يتم اكتشافه أو الانتباه إليه بعد وعلى رأس هذه القائمة "غزو التكنولوجيا الحديثة والإنترنت" أو كما أطلقت عليه.. "غزو السراب "...
الخاتمة
مرحبا من جديد.. كيف حالك الآن يا صديقي؟.. هل أنت بخير؟ أرجو ألا تكون قد مللت مني أنا فقط أود الاطمئنان عليك ربما للمرة الأخيرة.. هل فهمت الآن؟.. هل تغير بداخلك شيء؟.. أرجو ذلك..
أعلم أن من نفعله الآن مناقض تماما لما سردته سابقا أنا اتواصل معك من عالم السراب...
حسنا أنها المرة الأخيرة.. فلنعتبرها خيانة مشروعة
والآن يجب أن أقول وداعا..
وإلى لقاء أعلم أنه قد لا يتجدد على الإطلاق..
إهداء
إلى الغرقى في عالم السراب.. لم يفت الأوان بعد..
تمت بحمد الله.
