عشق العفاريت... بقلم / حسين جويلي


من كتاب للقدر رأي آخر للإعلامي/ حسين جويلي... دار روائع للنشر أغسطس 2016.   


عشق العفاريت ..........
تأليف / الإعلامى المصرى حسين جويلى
من كتاب للقدر رأي آخر والذي صدر عام 2016 عن دار روائع للنشر. 



 أغمضت عينى كى أنام فى وقت الظهيرة … بعد ساعات طويلة من التعب والإرهاق فى العمل , أرحت ظهرى على أريكتى القابعة فى حجرتى , كى أنام مرة قرير العين ولاسيما فى هذا التوقيت , فقد تعبت من الملاحاة على عينى كى تنام فى القيلولة قبل ذلك كثيرا , تحركت بجسدى يميناً ويساراً كما هو حال طالب النوم المحروم منه ... بدأ النوم يراودني . اخيراً ثبت جسدى على جانبى الأيمن كما إعتدت أن أنام ... بجوارى هاتفى النقال , دائمأ ينام الهاتف إلى جوارى , لايفارقنى أنى كنت , نمت بالفعل … ما أجمل نوم هذا الوقت , ماهذا إن الهاتف يهدد نومى , ربما يكون أحد يطلبنى , لم تمض برهة على نومى , تجاهلت رنينه تمامأ , كل أملى النوم ناعم البال , لم أبسط يدى لآتى بالهاتف , آرقنى صوت الهاتف حتى أضاع النوم من عينى , لابارك الله فى الهواتف وخاصة هاتفى الذى سلب منى النوم , بعد أن أزعنت عينى للنوم … أواه .. شئ غريب يحدث , هناك صوت فى أذنى يهمس ويقول "ألو" إى وربى ويلوك بإسمى … يالله إنى أتوهم … على أن أنتظر برهة حتى أتأكد أن هذه ليست هواجس وعلامات إرهاق , الصوت لازال يشغلنى !!! وينادى بإسمى …صوت لا أظنه إلا جميلاً … هل آتيت بالهاتف فعلا , أم أنها بداية حلم وخرافات , لا لم يحدث من قبل ان أتكلم وأنا نائم . حاولت أن أقبض الهاتف فى يدى , كى أنهى حياته ... لكن ماذا يحدث الأمر جد عسير , جسدى كله عاجز عن الحراك , ولايعمل فيه إلا عقلى الذى جن مما يحدث , كل هذا ولم أنطق ببنت شفه ... وصل بى التفكير أن اقرأ بعض التعاويذ , فربما يكون هذا مس شيطانى أو شئ من هذا القبيل . التعاويذ لاتجدى ... الصوت يزداد ويعلو كلما قرات .!!! لاتحاول أن تفعل شئ فلن تستطيع مقاومتى ... لأنى أحبك أفهمت أحبك , ومهما فعلت لن أتركك , فلا تؤذينى بالله عليك بتلك التعاويذ. من أنت ؟... من أنت ...!!! كل هذا ولم أرى شئ , فكل ما يحدث هو صوت عذب فى أذنى يلوك بأجمل ما تم إكتشافه من تنقيب العشاق فى أرض الحب والهيام . يالله ما هذه الرائحة الجميلة , الحجرة ملئت برحيق جميل وكأننى فى حانوت لتركيب العطور. ما هذا ... دخان كثيف , إن عينى ترى الأن مالم تراه عين بشرية من قبل , الدخان يزداد بشدة ...لكنه يبدو جميلاً , فلا يفوح منه إلا الرائحة الطيبة , وكأنها توليفة من اجود انواع البخور, الصوت لم يعد فى أذنى ... بل هو أمامى الأن ... جسدى يهتز وكأننى جزيرة أصابها زلزال فى " جاكرتا ". الصوت لازال يعلو ويلوك بإسمى ..... بدأ الدخان ينجلى كى يظهر من وراءه فتاة حسناء , والله لم أرى نظيرتها من قبل , فتاة حور ... عينها كأعين المها ... فارعة القوام وكأنها منحوتة على يد فنان بارع ... قطع من الثياب متناثرة على جسدها فلا تكاد تلبس شئ , شعرحريرى مترامى على كتفيها وكأنه ستائر سوداء على مسرح الجمال ، الوجه يغلب عليه الحمرة ، وكأنها ملاك ضل طريقه الى السماء فهبط الى الأرض كى ينشر الحب والعشق بين الغافلين من أمثالى ، لم أنطق ببنت شفه ، كل هذا وأنا فاغراً فمى من الدهش ، رغم أننى أنظر إليها بشره شديد بالتأكيد شدنى ما يحدث ، فأنا لا زلت أسبح فى غياهب العزوبية. والله لولا تأكدى أننى فى الدنيا الأن ، لظننت أننى أسير فى دروب الجنة ، فلا أعتقد أن هذا الجمال على وجه الأرض المملؤة بالوحوش والوجوه القبيحة. تغنت بإسمى ثانية .... لم أسمع أحد ينادينى بهذا الجمال من قبل. إقتربت منى وربت على كتفى، أنا فى حيرة هل أبادلها الإقتراب ؟. أم أظل فى موضعى منتظراً تسلسل الأحداث. يد ملساء فلا أكاد أشعر أننى أحمل شىء على كتفى ، رفعت يدها لأعلى وبدأت تمسح على شعرى ، لماذا لا اتكلم هل أصبت ببكم فى فمى ؟. لكن سؤالى ليس فى حاجة لجواب. فلو أن أحداً فى مكانى ما نطق بكلمة، ففى مثل هذا الموقف وأمام هذه الفتاة لا كلام ولاتعليق 0 اقتربت منى أكثر ...... حتى لم يعد بينا مالا يتعدى قبضة اليد ، أخيرا تحركت شفتاى 000 لقد بدأت شفتاى التحدث بعد إزعان طويل ، أخيراً تحركت صاحبة الجلالة والسمو ، فهى قل ما أن تلوك بشىء خاصة مع الجنس الآخر ، ربما إنها تأخذ أوامرها من حيائى الشديد وخجلى القابع فى كل قطرة دم تجرى فى عروقى. سألتها شفتاى من أنتى ...... ؟ نعم شفتاى هى السائلة وأنا ليس لى دخل بها ، فأنا لا زلت على حالى المتوهم ، لكن لم تكمل شفتاى السؤال. فقد طبقت الفتاه شفتاها عليها ، ولم أعد أتكلم ... وكأننى مسحور فكل ما أفعله هو النظر إلى الفتاة فى شغف شديد وأحملق فى وجهها وجسدها المترامى الأغصان ، فهى تتحكم فى كل حركاتى وسكناتى الأن. استمرت قبلتها ما يزيد عن نصف ساعة من ساعات الدنيا التى لا أعتقد أننى فيها الأن. فأنا الأن مقبوض على بأمر ملكة جمال الخليقة جمعاء ، فلا أدرى فى أى مكان أنا الأن ، بين السماء والأرض ... فى كوكب آخر ... تحت الأرض ... ربما تكون الأخيرة فما أراه الأن لا يقدر على فعله إنسان ، هى بالتأكيد جنية ، لكنى سمعت كثيرا أن الجن يحمل صفات بشعة وله قرون وأطراف غريبة تؤذى لمجرد النظر لها ، حيا الله الجن لو كانوا بهذا الجمال الغريب . هاهى تتكلم وتفصح وتخبرنى بما يحدث. كلام لا يصدقه عقل ، هى فعلاً جنيه من تحت الأرض ، أخبرتنى أنها تحبنى بل تعشقنى منذ ثلاث سنوات ، لكنها لم تستطع الدخول إلىَ طيلة هذه المدة ، لأننى كنت دائماً أحافظ على وضوئى على حد قولها. ياالله أنا فعلاً قبل ان انام أذكر أن وضوئى قد فسد ، هنا فقط تأكدت أنها جنيه ، فكيف عرفت بهذا الأمر إلا اذا كانت جنيه " وبنت جنية كمان " 0 لكن أيتها الجنيه الجميلة ألم تجدى غيرى ، أليس هناك أفضل منى بين جموع البشر ؟!. صرحت لى أن قلبها قد تعلق بى ، وذلك كما قالت أن هذا الحب بدأ عندما رأتنى أقبل يد والدى ، فهى تقول أنها تعشق العطف والحنية ، فهى محرومة من الحب والحنان منذ أن فقدت والديها بعدما قتلهما الجن الأكبر عندهم. فهو شيخ العفاريت فمن يأمر بقتله يقتل على الفور دون مراء ، وليس هناك " كوسة " أو شفاعة كما يفعل أهل الأرض "الشرفاء". السؤال الذى خرج من فمى ، الذى أصبحت شفتاه ملتصقتان ببعضهما ، فيبدو ان فاها قد ترك أثاره على فمى ... رضاب مثل عسل النحل الأبيض. وماذا ستفعلين معى أيتها الجنية العاشقة ؟!. لا تقل لى جنية بل نادينى بإسمى … إسمك … أأنتم ايضا لكم أسماء مثلنا ، وما إسمك أيتها الجنية ؟! إسمى نسرينا ..... جمال متكامل حتى الإسم يحمل بين طياته رائحة جميلة. استأذنتنى بالاختفاء ، يالا العجب العُجاب ! جنية تطلب منى الإذن بالإختفاء. اقسم لكِ أننى كنت أخشاكم قبل اليوم معشر الجن. والأن أنتم صهرى فلا أظنكم تؤذوننى . هذا أمر غريب لكنى سأصدقها ، فالحب يصنع المعجزات فما بالنا بالعشق. بالفعل غابت عن وجهى صاحبة الوجه الحسن. استيقظت من نومى ... وكأننى كنت نائم !!! والله لا أظن أن عينى راحت فى النوم ولو لإغفاءه قليله. ولكن هل تعود " نسرينا " ثانية ؟. يالا خيبة أملى لقد تعلقت بها لماذا لم آخذ منها ميعاداً للمقابلة. لكن هل الجن يأخذون ميعاداً للمقابلة مثل عشاق الدنيا البلهاء ، والله لم يحدث من قبل وطلبت ميعاداً التقى فيه بفتاة، حتى سنوات الدراسة الجامعية كنت فى معزلِ منهم. وكنت دائم التهرب من هذا الصنف من البشر, هذا الصنف صاحب الغدر السريع والجراح الكثيرة , مذاق حياتهم مر مثل العلقم ... من إتبعهم إسودت حياته وكثرت آهاته ... الواحدة منهم ربما يكون قلبها كزهرة اللوتس التى تتفتح عندما يسكنها الحب ... وسرعان ما تذبل تلك الزهرة وتتفتت وتروح رائحتها مع الايام , وربما تكون مكانا للراحة وسكنأ لنا , واجهة هذا المنزل تبدو جميلة , لكن ليس معنى هذا أن داخله مريح ... فكله هم ... كله غم ... كله شد وجزب كأمواج البحر المتلاطمة تعلو كثيراً ولاتهدأ إلا قليل ... ليتنا ننجو من الغرق فى لجج هذا البحر , فأمهرنا ولو كان قبطاناً فى الحب يغرق ولا يجد من ينقذه . دائمأ من أحبوا وتزوجوا من أصدقائى يقصون علىَ قصص موجعة, لذلك فضلت البعد. أمى دائماً تحدثنى عن الزواج ... كنا نعد للخطبة ... لكنى دائماً متحيراً بين هذه وتلك , لم يخضع قلبى لواحدة حتى الأن ... وبرغم أنى عازف عن الزواج لكنى أعشق الجمال وأبحث عنه فعلاً. تحيرت أمى معى من كثرة ما ترددت فى اخياراتى . والأن سأقدم لأمى طلب إعفاء ... مذكرة رفض أشجب فيها فتيات الدنيا بأسرها , فلا أظن أننى سوف أرى مثل" نسرينا " مقطوعة الجمال الكاملة. ... التى بالتأكيد بادلتها الحب من أول وهلة ومن أول نظرة ... ولو كانت سحرتنى وجعلتنى أتعلق بها فهذا لا يعنينى ... فأنا الأن أشعر وكأننى حيزت ليا الدنيا وملكتها , وسأكون خامس من يحكم الأرض بعد سليمان " عليه السلام وذو القرنين والنمرود وبختنصر , رغم إختلاف الأهداف والحكم . فأنا سأتوج حاكماً وملكاً للمحبين والعشاق جميعهم . إنقسامات فى المنزل بسببى , فكلما تحدثوا عن زواجى تركتهم وجلست وحدى , أو خرجت مع أشواقى الكامنة فى صدرى , الشوق الملتاع دائماً يأخذنى إلى " نسرينا " ... التى توطدت علاقتى بها , وأضحيت أمخر معها فى عباب نهر الحب . كلما تذكرتها فى خاطرى أراها على الفور ... من منكم يا عشاق الدنيا ينعم بما أنعم به , من منكم يرى محبوبه آنى شاء ... كم سهرتم الليالى ونظمتم المواعيد , وبنيتم قصوراً من كلمات الحب والهيام ... ونظمتم الأناشيد الغزلية فى محبوبكم ... لكنه سراب فكل ماتفعلون دون جدوى ... دون تواصل , فأفلحكم يستمر عام ... عامين ليس أكثر ... هيهات أنتم بالنسبة لى لاشئ , فلا تنافسونى فى شئ , فأنا ولا فخر مر عَلىَ سبع سنوات مع " نسرينا ". سبع سنوات من العشق والحب والسعادة ... التى تكفى سكان الأرض جميعهم , لكنى إحتفظت بها لنفسى فأنا مريض بالتقطير فى الحب , كى أعوض السنوات العجاف التى مضت من عمرى سدى , فمنذ سبع سنوات أدرجتُ إسمى فى كشوف السعداء وترأستهم بقائمة العفاريت . لكن ... كل هذا دون أطفال ... دون قرة عين لى ولها. كلما تحدثت مع " نسرينا " فى هذا الأمر , أخبرتنى أن مقابل الإنجاب موتها , فمن تنجب من إنسى مصيرها الموت ... حسب المادة الأولى من دستور شيخ العفاريت الإستبدادى , لكنى دائماً أزعن لكلامها وأوامرها ... فهى عندى بالدنيا وما فيها وما أسفلها . المقربون منى يظنون أننى مصاب بمرض نفسى , فأنا لاأعيش مثلهم ... أنا غريب بالنسبة لطبيعتنا البشرية , فلا أتزوج ولا أقيم علاقات مع فتيات , أنا فعلا غريب بالنسبة لهم , خمس وثلاثون عاماً ولم أؤسس أسرة بعد , أقرب أصدقائى لديه من الأبناء أربعه , عمره تقريباً يوازى عمرى . إلى الأن لم يعلم أحد بقصتى , فحبيبتى أخبرتنى أن إفشاء سر علاقتنا ليس لصالحنا , لم أسأل عن السبب , فهى بالتأكيد حاجة فى نفس يعقوب , أو ربما يكون شيخ العفاريت له رأى فى هذا الأمر . صديقى المقرب دائماً يسامرنى ويتحدث معى فى شتى الأمور, ولاسيما فى العمل ... فكلانا مدرس بوزارة التعليم , أنا أدرس مادة التربية الإسلامية , التى جعلتنى دائم الإرتباط بدينى , عرف عنى هذا بين كل من يعرفنى. خلال حديثى معه تذكرت "نسرينا " ... فظهرت لى دون أن يراها هو , لاحظ أن وجهى ينظر فى إتجاه أخر دون الذى يجلس فيه , رآنى أتمتم بكلمات خافتة تكاد تكون غريبة عليه , أقسم لك يا صاحبى إنها لغتنا العربية ... لكنى أتحدث همساً وهيأت لك وكأنها غريبة غير دارجة فى قاموس اللغات العالمية , والله إنها لغة القرآن ... حتى " نسرينا " تتحدث بها معى , وتفهم هى ما أقول . كل ما رآيتها يدق قلبى وكأنما يدق الرعد فى السماء , همسها فى أذنى يدوى فى أجوائى مثل رنين الفضاء , لانبالى بمن حولنا وننهل سوياً من نهر الحب المتدفق من أسفل الى أعلى ... نهر عكس أنهار الدنيا قاطبة , نهر مصبه يقبع أسفل الأرض ... ينبع بعشق عفاريتى , مخلوط بحب الدنيا التى أستئت منها . دائماً نلوك أنا وهى ببعض الكلمات المنتشرة بين أهل الأرض , خاصة أهل الحب والسابحون فى مدار العشق والهوى الذى أمتلكه أنا ... ألم أتوج على عرش العشاق ؟ سألنى صاحبى وهو يحاورنى ... عن ماذا أقول؟. حاولت إقناعه أنها بعض الأفكار والهواجس التى تدور فى عقلى ... وتسمع من فمى وكأنها همهمات . فاه صديقى فاغراً من الدهش ... بالتأكيد لابد أنه كون فكرة سيئة عنى ... ويشك أن بى مس أو مرض نفسى يعبث فى عقلى . كذبت على صديقى ورفيقى فى الدرب ... لكن هذا رغماً عنى , فكذبى من أجل الحب , كذبى من أجل" نسرينا " , حيا الله الكذب لو كان من أجل بقاء الحب على وجه الأرض . عذراً يا صاحبى فلن أستطيع أن أصدُقك القول ,تنفستُ الصعداء بعد أن هُيئ لى أننى أقنعته نوعاً ما , رغم أنه حملق فى وجهى مندهشاً كما هو حاله معى فى الحقبة الماضية من عمرى مع " نسرينا ". ودعته ... وظل يتابعنى فى مسيرى , كل ما وطئت قدماه الأرض مرتين نظر الى وكأنه يخشى عَلى من شئ . وصلت الى منزلى ... دخلت حجرتى وأوصدت الباب حتى لا يشغلنى أحد. ......... حينما أشتم رائحة جميلة تدور حولى , أُهيئ نفسى لإستقبال موكب الأميرة . ظهرت " نسرينا " وهنئتنى على حسن تصرفى مع صاحبى ... هى بالتأكيد لاحظت أن وجهى متغيراً ويغلب عليه الأسى , فهى تعلم أن صديقى هذا أحب الناس إلى قلبى بعد أبى وأمى , وهى أحب الجن إلى قلبى , فلا أعرف غيرها فى عالمهم. كالعادة لا أستطيع مقاومة أشواقها ... بالفعل تناسيت ماجرى ... وبدأنا فى وصلتنا الغرامية التى لا تقل عن الساعتين , هما عندى بملايين السنين مما تعدون يا أهل الأرض , مهما اختلف معى علماء الرياضة والسنين . وقبل أن تغرب عن وجهى ...امسكت يدها ... " نسرينا " ماذا أفعل مع صديقى ؟ إننى أحبه . وكزتنى فى صدرى وصدت كلامى وخيرت بينها وبين صاحبى ... ماذا أفعل ؟. لأول مرة تغضبنى , إلا هذا الصديق ... فهو المتبقى لى بعد أن تخلى عنى الجميع , هو يتحملنى رغم كل ما يحدث , هو لى بمثابة الأخ والصديق... يمنحنى الأمان والإخلاص والوفاء , " ونسرينا " تعطينى الحب. ماذا أفعل ... والله لو أن جهابزة علماء النفس تدخلوا ما وجدوا حلاً لأمرى المحير. أسبوعاً كاملاً أعلنت فيه الصيام عن الحب . حاولت أن أهجرها , يبدو أن الأمر خرج من يدى , طيلت الأسبوع كانت تأتينى رغماً عنى , ولو حاولت المقاومة ... أجد الرائحة الجميلة والدخان الحميد تحول إلى نار تلفحنى , ورائحة يصعب على الأنف الأدمية تحملها. إى والله ولو حاولت أن أناهضها تتحول إلى جنية فعلية وترهبنى بألاعيبها الغبية . أهذا القبح هو " نسرينا " !!! والله إنه لوجه عفريتة شمطاء حيزبون عجوز , وجه لا يدل أنه عرف يوماً معنى الحب أو سمع عنه أو لوك بكلمة منه . جلست بمفردى أفكر فى الخلاص ... أفشى سرها ؟ وبهذا يحدث ما لا تريده هى , يبدو أن عقوبة ذلك عندهم هو القتل من شيخ العفاريت الذى يقبع تحت الأرض . قالت لى قبل ذلك أنها لم تستطع الدخول الى إلا عندما نقض وضوئى ... نعم أحافظ على وضوئى وأقرأ عليها أية الكرسى فتحترق وتذهب عن حياتى. كل هذه الهواجس ظلت تراودنى ... لكن للأسف لا أستطيع المقاومة , فحبها تمكن من صدرى وشيد قصوراً شاهقة من العشق , لا يجرأ على هدمها إلا جيوشاً من عفاريت الجن المتوحشة ... فلا يقتل الحب الا متوحش يملؤه الحقد والغباء . لابد ان آخذ موقفاً حازماً ... فقد جُن جنونى وفاض بى الكيل . لم أكد أكمل حواراتى مع عقلى ... حتى حدثنى أبى أن صديقه لديه إبنة جميلة يريد أبى أن يزوجها لى. أخذ أبى بالفعل ميعاداً للمقابلة معهم بعد أن فاتحهم فى الأمر ... بالتأكيد رحب الرجل ... فهو يعلم عن أبى الكثير من الخصال والصفات الطيبة , كم كانت فرحة أمى عارمة. إنهالت أمى بالزغاريد توزعها فى أرجاء الحى , حتى شاركتها النسوة واخذن يعزفن مقطوعات من الزغاريد التى خرجت من أعماق قلوبهن . لأول مرة أذهب فى طريق الزواج وأتحاور فيه بجدية. الفتاة تبدو جميلة ... هادئة ترتدى حجاباً يوارى تحته خصلُ من الشعر الجميل كما قالت لى أمى , حتى هنا كانت الأمور تسير على ما يرام والأمر يبدو طبيعياً. ياربى... جاءت " نسرينا " ووقفت أمام العروس حتى لا أراها ... كلما انتقلت من مكانى انتقلت معى ... ظللتُ هكذا اتنقل من مكان لأخر , المنطق يقول أن أهل العروس سيقولون أننى أحمق مأفون , بالفعل باءت محاولة أبى بالفشل وأتهمونى بالجنون . ليلة ظلماء ... كانت هذه الليلة أسوأ ليلة فى حياتى , ظهرت " نسرينا " فى صورتها الغبية , وظلت تتنقل من الباب الى الشباك الى السرير ... حتى أصابتنى بالرعب والفزع. الأدهى من ذلك أنها عاشرتنى على شكل عفريتة , الأشواك تملُ فاها ... ظلت تقبل فى حتى بدت شفتاى تنضح دماً , كادت تقتلنى ... لعنة الله عليك ... لعنة الله عليك ... ظللت أرددها حتى انصرفت . شلالات الدموع تنهمر على خدى من هول ما فُعل بى. أمات الله الحب لو كان فيه هذا الغباء . ما هذا ... رائحة جميلة من جديد , انها مبشرات قدوم " نسرينا " الجميلة ... بالفعل عادت "نسرينا " لتطيب خاطرى وتهدأ من روعى , عادت وهى " نسرينا " , عادت بشكلها الجميل وقوامها الفارع , دائماً أنسى كل شئ عندما أراها , صدق القائل " السحر يفلق الحجر ". أخذت تجفف دموعى بأناملها الرقيقة ,وتداعبنى وكأننى طفلها الرضيع , لمتها على ما فعلت معى وبكل ضعف منى , فقد أضحيت أضعف خلق الله أمام الحب. وقفت فى ثقة ورفعت نهديها لأعلى فى شموخ وقالت فى كبرياء لن تستطيع مقاومتى لأنى أحبك , أفهمت؟ أحبك. أخذت تهز كتفى بشدة , أحسستُ أن جنبات الحجرة تهتز معى ... قوة خارقة خارجة من نعومة ... مثل الأفعى تبدو ناعمة رشيقة تبهر من يراها ... لكن سُمها قاتل يؤدى إلى الهاوية . تلامست الشفاه وتعانقنا , وخُتمت الليلة بسعادة وكأن شئ لم يكن . كان لابد لأبى أن يعاتبنى على ما حدث , وينتظر منى تعقيب على ما فعلت . لكن عذراً ياأبى فقبل أن تعرف لابد أن تنحت الصخر , أنا نفسى حاولت الإفصاح لكن دون جدوى . يبدو أن حياتى ستظل هكذا حتى أموت أنا أو تموت هى ... تموت" نسرينا ". أيموت الجن مثلنا ؟! سؤال جديد يطرح نفسه أمامى . والإجابة عند أستاذة الحب " نسرينا " , هل أسألها عن هذا؟ أنا على يقين تام أننى لو حاولت مجرد المحاولة أن أسألها ستقوم الدنيا , وتآتينى العفريته القبيحة التى أبغضها , شخص واحد أحبه بشُرهٍ شديد ... وفى نفس الوقت أشجبه وأكره رؤيته . ماذا افعل ... ؟. إن التردد يكاد يقتلنى , إن رأسى أصابها ورم من التفكير , إى وربى إن هذا يصُعب على العقل البشرى تداوله . هل لى أن أجمع من " نسرينا " قناطير من الحب ... وأضعه فى صوامع العشق , كى يكون مخزون للسنين العجاف الخالية من الحب , وبعدها أتصرف أى تصرف يخلصنى من هذا العذاب. لكنى أشك فى إمكانية تخزين الحب فى صوامع العشق , فهى بالتأكيد قد صدأت من سوء إستخدام العشاق البلهاء الغير متقنين لفنون الحب . يا من أطلقتم عَلىَ أننى مجنون أو مصُاب بمس , يا من ابتعدتم عنى لأنى هواجسى كثيرة وخرافاتى مريرة . بالله عليكم هل لديكم جنونُ مثل جنونى؟ هل خرافاتكم توازى خرافاتى؟. هل تفهمون مثقال ذرة عن الحب ؟ . وبما أنكم لا تملكون الإجابة ... فأسمحوا لى أن أقول ... أنكم لو آتيتم بعربات وملئتمُوها من الحب الذى أملكه ... ما نفد منه مثقال حبة. كلما رآيت طفلاً يلعب أو يجلس أمامى فى المدرسة أتذكر الأطفال وحقى فى كلمة "بابا", طاقت نفسى لهم ... لم أسمع تلك الكلمة تقال لى من قبل. إقترحت على " نسرينا ان أتزوج كى أنجب أطفال ويكون الحب لها فقط ... فهو زواج من أجل الإنجاب لاغير. صرخت فى وجهى وأخبرتنى أننى أضحيت ملكاً لها , ولن تسمح لأحد أن يأخذنى منها , لجأت لكل الأفكار والحلول الوسطية التى يمكن أن تأتى على العقل والقلب , لكن كلها بائت بالفشل ,فقد غلبنى الحب والسحر. إن لم تمت " نسرينا " أموت أنا ... هذا هو الحل , إنه القرار الصائب ... الإنتحار والخلاص قبل أن يأتى اليوم ويقذفنى الأطفال بالحجارة مثل المجازيب ومجانين الحى . ساقتنى قدماى إلى مكان مرتفع , هرولتُ مسرعاً نحو ربوة كانت قابعة فى مدخل مدينتى ... ربوة صامدة فى هذا المكان, أراها منذ أن كنت صغيراً . وكأنها تنتظرنى منذ زمن بعيد , ذهبت كى ألقى بنفسى من عليها , لأستريح وأريح أسرتى الغارقة فى كبوتى . جاءت " نسرينا " لتمنعنى من الوصول الى الربوة بكل ماتملك من قوة ... ظللت أناهضها حتى تغلبتُ عليها , رغم أن عينيها كانت تجزبنى للوراء ثانية, لكن قوة الإرادة نحو الخلاص جعلتنى أقوى منها . وبعد أن يأست من مقاومتى , وقفت أسفل الربوة كى تلقفنى لو سقطت. أخذت أملى عينى بما يحوطنى , فى السهول المجاورة , فى الروابى العالية ... أنظر إلى المدينة من بعيد هذا بيتى ... تلك هى المدرسة ... هذا بيت صاحبى. أتذكر خمسُ وثلا ثون عاماً مضوا من عمرى , منهم سبع سنوات مع " نسرينا ". أتذكر رحلتى فى الحياة وأعيد شريطها قبل أن أنهيها. آن الأوان للرحيل ... وداعاً أيتها الدنيا الحمقاء , وداعاً يا سنوات العذاب , وداعاً يا سنوات العشق ... وداعاً يا أسرتى يا من ابتليتم بى وكنت قدركم الذى بادركم بالقلق الدائم ... عذراً لكم. عذراً لكى يا أمى كم كنتِ تودين أن ترينى أجلس بجوار عروسى فى ليلة العرس ... كم حاولت معى يا أبى كى تزوجنى وتهيئ لىَ الإستقرار , كانت مكانتك بين الناس تدفعهم للموافقة بى زوجاً لإبنتهم , لكنى أسئت إليك يا أبى , عذراً يا والدى العزيز ... فكلما رأوا أفعالى ... كرهوا مصاهرتى. وداعاً يا صاحبى... يا من تمسك بى وقد تخلى عنى الناس وبعدوا عنى , يا من تشبث بصداقتى رغم هرائى وحياتى المليئة بالغرائب . إقتربت من أطراف الربوة , لحظات قليلة ويدرج إسمى فى كشوف الموتى. لن أقدر لرجلى موضعاً قبل الخطو , فمكانى أسفل تلك الربوة , فلن يطول بقائى على وجه الدنيا بعد اليوم . صوت ينادينى من بعيد , ظننتها " نسرينا " لكن الصوت أجش وكأنه صوت رجل. إنه صديقى ... لا أصدق عينى ولا أذنى. لكنه هو ... إى وربى إنه هو ... يعدو تجاهى وكأنه يسوق إلى خبر هام !. أتكون " نسرينا " هى التى أتت به الى هنا ليمنعنى ؟. ربما ... فهى تفعل كل شئ من أجل بقائى معها , لم أراه يعدو بهذه السرعة من قبل ... انتظرت برهة إلى أن يصل ... لعلها تكون لحظة وداع. حضنُ دافئ لم أعهده فيه من قبل ... أخذ بيدى وأجلسنى فى مكان عند مهب السقوط . سألنى وهو قابض على يدى والدهشة تملء فاه ... لماذا جئت الى هنا ؟ إن هذا المكان ِخطر !. , لم أنطق بحرف ... ارتميتُ فى صدره أُوزع عليه دموعى التى بللت قميصه , يالك من وفى ... غبتُ عنه لحظات لم يهدأ إلا عندما عرفَ مكانى , قلق عَلىَ بعد أن تركت فصلى وجئتُ الى هنا. ظل يسأل من رؤونى حتى وصل إلىَ . أتكون الصداقة أقوى من الحب ؟ . ما جرى منه الأن جعلنى أكسر وأحطم كل سدود الحب التى وضعتها لى" نسرينا ". أخذت أقص عليه سبع سنوات من الهيام ... كان كمن رأى عفريتاً ... الكلام الذى أحكيه غريب على أذنه ... أحداث مترامية وراء بعضها لا يصدقها عقل ... فلولا ثقته بى ما صدقنى . لم أكد أكمل روايتى العجيبة ... حتى رآيت دُخان كثيف أسفل الربوة , دخان ذو رائحة سوداء مثل لونه ... قمنا على الفور لنترقب ما يجرى ... لم يترك صاحبى يدى بعد . ياالله " نسرينا " تحترق ... أقسم بربى لو ترك يدى لألقيت بنفسى على نيرانها ونموت سوياً كما عشنا سوياً ... قلبى يحترق ... حبى ذهب إلى الهاوية ... ماتت قصتى ... وأُدرجت فى الماضى السحيق . هنا فقط تذكرت أن إفشاء سر علاقتنا ليس لصالحنا كما قالت لى حبيبتى ... إحترقت " نسرينا " بأمر شيخ العفاريت ... وجف نهر حبى إلى غير عودة . إنتهت